محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
555
تفسير التابعين
وعلى كل فقد اختصت المدرسة المكية بهذه الخصيصة وامتازت بها عن باقي المدارس الأخرى ، وهذا بين واضح ، واللّه أعلم . الخصيصة الثانية : التخصص في علم التفسير : التخصص ظاهرة عصرية نسبيا ، والمراد بذلك أن العالم أو الباحث يأخذ بطرف من علوم كثيرة ، مع التميز ، والاعتناء بعلم واحد ، أو فرع واحد من العلوم ، وهذا هو الذي درجت عليه النظم الحديثة في التعليم . وهذا التخصص يتيح الفرصة الأكبر للإبداع والعطاء ؛ لأن العلوم جميعها لا يمكن أن يحيط بها إنسان واحد ، والأعمار أقل من أن تمنح هذا العطاء الواسع ، واحتياجات الأمم تتنوع في شتى العلوم ، والفنون . والتخصص لم يكن بعيدا عن العهد الأول ، فأعلم الناس بالحلال والحرام معاذ ، وأفرض الصحابة زيد ، إلا أن التخصص في التفسير وعلوم القرآن لم يظهر بصورة واضحة إلا على يد المدرسة المكية التي صرفت همتها ، واستفرغت وسعها في كتاب اللّه تعالى شرحا ، وبيانا ، وتوضيحا ، وتفسيرا ، ولغة ، وفقها ، وهذا الاهتمام الواسع أقعدهم عن مسابقة الأقران في علوم أخرى من وجه ، ودفع بهم إلى المقدمة في التفسير ، وعلوم القرآن من وجه آخر ، فبزوا الأقران في ذلك ، وكثر المنقول عنهم فيه ، أكثر من غيرهم في الجملة . ولما كان علم التفسير يحتاج إلى علوم أخرى خادمة له ، نجدهم قد تخصصوا أيضا في هذه العلوم التي تخدم علم التفسير ، وتسير في ركابه . وأدى بهم هذا التخصص إلى أن تعرضوا ، وتوسعوا في فروع من علوم القرآن لم يتوسع فيها أحد قبلهم . فمن ذلك : علم الأشباه والنظائر ، وهو الذي يبحث في الآيات المتناظرة التي يشبه